
ميريام نداف، NEWS FEATURE، 20 فبراير 2024
ترجمة وإعداد عادل كنيش مطلوب
يمكن للزرعات وغيرها من التقنيات التي تفك شفرة النشاط العصبي؛ أن تستعيد قدرات الأشخاص على الحركة والتحدث، وتساعد الباحثين على فهم كيفية عمل الدماغ.
إن تحريك الأذرع الصناعية، أو التحكم في الصور الرمزية، أو الكتابة. هذه كلها أشياء تُعلم الأشخاص المصابون بالشلل القيام بها باستخدام واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs)، وهي أجهزة مزروعة في الدماغ تعمل بالتفكير وحده.
تلتقط هذه الأجهزة النشاط العصبي باستخدام عشرات إلى مئات الأقطاب الكهربائية المدمجة في الدماغ. يقوم نظام فك التشفير بتحليل الإشارات وترجمتها إلى أوامر.
على الرغم من أن الدافع الرئيسي وراء هذا العمل هو المساعدة في استعادة الوظائف للأشخاص المصابين بالشلل، إلا أن التكنولوجيا تمنح الباحثين أيضًا طريقة فريدة لاستكشاف نظام الدماغ البشري، وبدقة أكبر من معظم الطرق الأخرى.
لقد استغل العلماء هذه الفرص لتعلم بعض الدروس الأساسية حول الدماغ، فقد قلبت النتائج الافتراضات المتعلقة بتشريح الدماغ، على سبيل المثال، وكشفت على أن المناطق غالبًا ما تكون لها حدود وتوصيفات وظيفية أكثر غموضًا مما كان يُعتقد. وساعدت مثل هذه الدراسات الباحثين أيضًا على معرفة كيفية تأثير واجهات التواصل بين الدماغ نفسها على الدماغ، والأهم من ذلك، كيفية تحسين الأجهزة.
كما تسمح الأجهزة أيضًا بإجراء قياسات على مدى فترات زمنية أطول بكثير مما تفعله الأدوات التقليدية، كما يقول إدوارد تشانغ Edward Chang، جراح الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. حيث ذكر: “بإن أجهزة واجهات الدماغ والحاسوب تتجاوز الحدود حقًا، حيث تكون قادرة على التسجيل ليس فقط على مدار أيام، أو أسابيع، بل على مدار أشهر، وسنوات في المرة الواحدة. لذا، يمكنك دراسة أشياء مثل التعلم، ويمكنك دراسة أشياء مثل اللدونة، ويمكنك تعلم المهام التي تتطلب وقتًا أطول بكثير لفهمها”.
حدود غامضة
غالبًا ما تصف الكتب المدرسية مناطق الدماغ بأنها ذات حدود أو حجرات منفصلة. لكن تسجيلات واجهات الدماغ والحاسوب تشير إلى أن هذا ليس هو الحال دائمًا.
لقد وجد بأن منطقة “بروكا”، على سبيل المثال، وهي منطقة في الدماغ يُعتقد أن لها دورًا في إنتاج الكلام والتعبير، تحتوي على معلومات قليلة أو معدومة حول الكلمات أو حركات الوجه أو وحدات الصوت التي تسمى الصوتيات.
كما اكتشف في ورقة بحثية صدرت عام 2020 حول الحركة، بأنه أثناء استخدام واجهات الدماغ والحاسوب أن المنطقة المسؤولة عن حركة الاطراف تحتوي على رموز عصبية للأطراف الأربعة معًا، وليس لليدين فقط، كما كان مفترضًا سابقًا. وهذا يتحدى الفكرة الكلاسيكية القائلة بأن أجزاء الجسم ممثلة في قشرة الدماغ في خريطة طبوغرافية، وهي نظرية تم تضمينها في التعليم الطبي منذ ما يقرب من 90 عامًا.
لقد أبدى نيك رامزي Nick Ramsey، عالم الأعصاب الإدراكي في المركز الطبي بجامعة أوتريخت في هولندا، ملاحظات مماثلة عندما قام فريقه بزراعة واجهة الدماغ في جزء من القشرة الحركية التي تتوافق مع حركة اليد. عادةً ما تتحكم القشرة الحركية الموجودة في أحد نصفي الكرة الدماغية في الحركات على الجانب الآخر من الجسم. ولكن عندما حاولت المرأة الماثلة للتجربة تحريك يدها اليمنى، التقطت الأقطاب الكهربائية المزروعة في النصف الأيسر إشارات لكل من اليد اليمنى واليد اليسرى، وهو اكتشاف لم يكن متوقعًا، كما يقول رامزي: “نحن نحاول معرفة ما إذا كان ذلك مهمًا” للقيام بالحركات.
وضح رامزي بأن الحركة تعتمد على الكثير من التنسيق، ويجب أن يقوم نشاط الدماغ بمزامنة كل ذلك. على سبيل المثال، يؤثر مد الذراع على التوازن، ويجب على الدماغ إدارة هذه التحولات في جميع أنحاء الجسم، وهو ما قد يفسر النشاط المشتت. ويقول: “هناك الكثير من الإمكانات في هذا النوع من الأبحاث التي لم نفكر فيها من قبل”.
بالنسبة لبعض العلماء، هذه الحدود التشريحية الغامضة ليست مفاجئة. يقول لوكا تونين Luca Tonin، مهندس المعلومات في جامعة بادوا في إيطاليا، إن فهمنا للدماغ اعتمد على قياسات متوسطة ترسم صورة عامة عن كيفية ترتيب هذا العضو المعقد.
تفكير مرن
كما ساعدت تقنية واجهات الدماغ والحاسوب الباحثين على الكشف عن الأنماط العصبية لكيفية تفكير الدماغ وتخيله.
يدرس كريستيان هيرف Christian Herff، عالم الأعصاب الحسابي بجامعة ماستريخت بهولندا، كيفية تشفير الدماغ للكلام المتخيل. حيث قام فريقه بتطوير غرسة لواجهات الدماغ والحاسوب قادرة على توليد الكلام في الوقت الفعلي عندما يهمس المشاركون أو يتخيلون التحدث دون تحريك شفاههم أو إصدار صوت. كانت إشارات الدماغ التي التقطها جهاز واجهات الدماغ والحاسوب في كل من الكلام الهمسي والمتخيل مماثلة لتلك الخاصة بالكلام المنطوق. يوضح هيرف أنهم يتشاركون في مجالات وأنماط النشاط، لكنهم ليسوا متماثلين.
هذا يعني، كما يقول، أنه، حتى لو كان شخص ما لا يستطيع التحدث، فلا يزال بإمكانه تخيل الكلام واستخدام واجهة التواصل بين الدماغ والحاسوب. ويضيف: “يؤدي هذا إلى زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يمكنهم استخدام مثل هذه الواجهات على أساس سريري”.
إن حقيقة احتفاظ الأشخاص المصابين بالشلل ببرامج الكلام أو الحركة، حتى عندما لا تعود أجسادهم قادرة على الاستجابة، تساعد الباحثين على استخلاص استنتاجات حول مدى مرونة الدماغ، أي إلى أي مدى يمكنه إعادة تشكيل مساراته العصبية وإعادة تشكيلها.
من المعروف أن الإصابات والصدمات والأمراض في الدماغ يمكن أن تغير قوة الروابط بين الخلايا العصبية وتتسبب في إعادة تشكيل الدوائر العصبية أو إنشاء اتصالات جديدة. على سبيل المثال، أظهر العمل على الفئران التي تعاني من إصابات في النخاع الشوكي أن مناطق الدماغ التي كانت تتحكم في الأطراف المشلولة يمكن أن تبدأ في التحكم في أجزاء الجسم التي لا تزال تؤدي وظائفها.
في الحالات التي يتضرر فيها الدماغ، مثل السكتة الدماغية، يمكن استخدام واجهات الدماغ والحاسوب جنبًا إلى جنب مع التدخلات العلاجية الأخرى للمساعدة في تدريب منطقة جديدة في الدماغ لتتولى المسؤولية عن المنطقة المتضررة. في مثل هذه المواقف، “يؤدي الناس المهام عن طريق تعديل مناطق الدماغ التي لم يتم تطويرها في الأصل للقيام بذلك”، كما يقول خوسيه ديل آر ميلان José del R. Millán، مهندس أعصاب في جامعة تكساس في أوستن، والذي يدرس كيفية نشر واجهات الدماغ والحاسوب للتعامل مع اللدونة المستحثة في إعادة التأهيل.
في إحدى المجموعات، تم توصيل واجهات الدماغ والحاسوب بجهاز يطبق تيارات كهربائية لتنشيط الأعصاب في العضلات المشلولة، وهي تقنية علاجية تعرف باسم التحفيز الكهربائي الوظيفي (FES)، لفك تشفير محاولات المشاركين لمد أيديهم، حيث استخدمت التقنية لتحفيز العضلات التي تتحكم في تمديد الرسغ والأصابع. كان لدى المشاركين في المجموعة الضابطة نفس الإعداد، ولكنهم تلقوا تحفيزًا كهربائيًا عشوائيًا.
ماذا تفعل واجهات الدماغ والحاسوب للدماغ
في حين تركز معظم الأبحاث على تحسين أجهزة واجهة التواصل بين الدماغ وتحسين أداء التشفير، “لم يتم إيلاء سوى القليل من الاهتمام لما يحدث فعليًا في الدماغ عند استخدام هذا الشيء”، بحسب سيلفيا مارشيزوتي Silvia Marchesotti، مهندسة الأعصاب في جامعة جنيف بسويسرا.
تدرس مارشيزوتي كيف يتغير الدماغ عندما يستخدم الأشخاص واجهة التواصل بين الدماغ لتوليد اللغة، ولا يبحث فقط في المناطق التي توجد فيها واجهة التواصل بين الدماغ، بل على نطاق أوسع. وجد فريقها أنه عندما تم تدريب 15 مشاركًا سليمًا على التحكم في واجهات التواصل الدماغية غير المزروعة على مدار 5 أيام، زاد النشاط عبر الدماغ في نطاقات التردد المعروفة بأهميتها للغة وأصبح أكثر تركيزًا بمرور الوقت.
تُعد دراسة كيفية تصرف الدماغ أثناء استخدام واجهات الدماغ والحاسوب كواجهة للتواصل مجالًا ناشئًا، ويأمل الباحثون أن يفيد المستخدم ويحسن من أنظمة واجهة التواصل هذه. على سبيل المثال، يتيح تسجيل النشاط عبر الدماغ للعلماء اكتشاف ما إذا كانت هناك حاجة إلى أقطاب كهربائية إضافية في مواقع فك التشفير الأخرى لتحسين الدقة.
لا يزال نطاق أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب الحالية محدودًا، حيث تستقطب التجارب عددًا صغيرًا جدًا من المشاركين وتركز بشكل أساسي على مناطق الدماغ المشاركة في الوظائف الحركية.
رابط المقال:
