اكتشافات محمود صبري – الخصائص الموجيَّة وكتلة المادّة وطاقتها

المقال نشر في الطريق الثقافي العدد 116 في 27/2/2023

عادل كنيش مطلوب

في بحث استقصائي عن الفنانين الذين تطرقوا الى فن المستقبل وعلاقته بفيزياء الكم؛ هذا العلم الذي حير أشهر علماء العالم. كان محمود صبري عبقريا استثنائيا في الغور في فن هذا العلم؛ وتفكيكه الى عناصره الذرية؛ واستخدام خصائصه الموجية، وكتلة المادة وطاقتها، وتوظيف عدد من المعادلات المعروفة في علم فيزياء الكم، وبعض المعادلات الرياضية الاخرى، ووضع أسس للتعامل مع العالم اللكونتومي على “المستوى الذري الجديد للواقع”، جمالياً.

كان ذلك في عام 1971، قبل ما يزيد عن خمسة عقود من الزمن، حيث تم نشر بيانه في المعرض الأول لما أسماه بـ “واقعية الكم”- في براغ.

ما أود ذكره هنا هو السياق التاريخي لتطور عالم الكم الجمالي بمختلف مدارسه.

من أجل فهم مدرسة واقعية الكم لصبري بشكل أفضل، من المهم أولاً تتبع المسار الذي أوصله إلى ممارسته الجديدة فيما يتعلق بالمشهد السياسي المعقد الذي عمل فيه.

ولد صبري عام 1927 لعائلة بغدادية من الطبقة المتوسطة من أب بائع وربة منزل، وقد أظهر نزعة نحو العدالة الاجتماعية والإنصاف التي دفعته للانضمام إلى الحزب الشيوعي العراقي في سنته الأخيرة من المدرسة الثانوية.

واصل صبري الانخراط في النشاط اليساري عندما التحق بجامعة لا فبرا في إنجلترا، حيث تابع دروس الرسم في المساء.

في عام 1947، شارك في معرضه الأول في السفارة العراقية بلندن وأصبح معروفًا بأعماله السياسية والاجتماعية. عند تخرجه من الكلية في عام 1949، متخصصا في علم الاجتماع، عاد صبري إلى العراق وعمل في مصرف الرافدين، أكبر بنك في العراق، حيث أصبح نائباً للرئيس عندما كان في الثانية والثلاثين من عمره قبل أن يتقاعد ليصبح فناناً متفرغاً.

تزامنت عودته إلى العراق مع انتفاضات الوثبة (بعد وثبة كانون 1948 وقبل انتفاضة تشرين 1952). أدت الممارسات الوحشية للنظام الملكي وموت العديد من رفاق صبري إلى أن يوظف نتاجه الفني كأداة اجتماعية، مما يتعارض مع فكرة “الفن من أجل الفن”.

في عام 1963، حصل الانقلاب الفاشي البعثي حيث قام البعثيون بمطاردة جميع الشيوعيين والديمقراطيين، بما في ذلك سكرتير الحزب الشهيد سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الذي تعرض للتعذيب الوحشي حتى الموت.

خلال هذه الفترة، كان صبري يدرس في الخارج تحت إشراف الرسام السوفيتي ألكسندر دينيكا في معهد سوريكوف للفنون من عام 1961 إلى عام 1963.

انتقل إلى براغ بعد الانقلاب الفاشي وانضم إلى لجنة الدفاع عن الشعب العراقي. خلال الفترة التي قضاها في براغ، بدأ صبري العمل الأساسي لممارسة واقعية الكم التي ربطت بين الفن والعلوم. عمل في هذا المشروع حتى وفاته في المملكة المتحدة في عام 2012. ساعد فهم تطور صبري فيما يتعلق بالخلفية السياسية للعراق بدوره على فهم كيف أن الانتماء السياسي لصبري وجه الكثير من أعماله.

التركيب الذّري

ليس هناك من عمل فني سابق في عالم الكم ولا توجد مدارس له تحث على النظر فنيا الى الكائنات على أساس تركبيها الذري. فمن اين أتت فكرة التعامل مع الكائنات على أساس إنها عمليات كم متواصلة في التعبير عنها فنيا؟

كون إن صبري مفكرا ماركسيا، فربما هذا ما دفعة الى النظر الى ما تمليه العلوم الحديثة لفهم أوليات تشكيل الواقع، وعناصره الأولية على أعمق مستوى وعمليات ترابط هذه العناصر، والنظر الى هذه العمليات وفقا للفهم الديالكتيكي المستمر في التكوين. إن هذا الربط الذي تحث عليه الماركسية بين العلوم الإنسانية والعلوم الصرفة؛ ربما أيضا ساعد في توفير الأرضية الملائمة لغرس بذور هذا الابداع الفذ في دواخله الذاتية.

يذكر مبدعنا العبقري في بيانه الأول باللغة الانكليزية “يجب على الفنانين والعلماء المعاصرين الترابط، حتى أكثر من الربط بين الفنانين والعلماء في عصر النهضة. يجب أن يجدوا طرقًا للعمل معًا لإنشاء ما يمكن تسميته بفن علمي جديد أو علم فني مناسب للحضارة الجديدة التي يأمل البشر في بنائها في القرن الحادي والعشرين”. ويصف واقعية الكم بـ “فن مجتمع يطلب من الفنان خيالا متحررا من الغيبية”.

أو ربما كان لتلميح نيلز هنريك ديفيد بوهر، العالم الفيزيائي الدنماركي الذي حاز على جائزة نوبل عام 1952 والمتوفى عام 1962، عن الفن قد حث صبري الى بحث الموضوع؛ حيث ذكر بوهر: “في مسرح الحياة العظيم، يكون المرء دائمًا هو اللاعب والمسرح، وفي نفس الوقت؛ يتعامل مع موضوع ما ونواياه تجاهه. بما أنه من المستحيل إهمال التفاعل بين الفنان وأساليبه في تكوين أي عمل فني، فمن المستحيل رسم حدود تفصل بين الفنان وفنه دون إزالة عالم من المعلومات، فالمسألة ليست مسألة فن كم/كونتم، بل تقدير قيمة فن الكم/اللكونتوم. لقد كشفت نظرية الكم عن إن هناك مشكلة في المعرفة الفنية”.

تجربة صبري إبداعا فكريا بامتياز

في حين أن البعض يعتقد بأن أعمال صبري خلال فترة واقعية الكم يمكن اعتبارها غير سياسية بسبب التجريد الجديد، لكن الذي ساعد على تحليل التزام الفنان بالمواضيع الاجتماعية والسياسية في عمله السابق على تبديد هذه الأساطير. لتوضيح هذه النقطة، من المفيد، اقتباس بعض مما كتبه فريد جمالوف، من جامعة ييل، دفعة 2021، في مجلة بودوين للفن عام 2020. حيث يذكر: إن تحليل رسوماته للبطل (1963)، بالنظر إلى أنها كانت واحدة من لوحاته التصويرية الأخيرة ,وتماشياً مع أعمال الفنان المبكرة الأخرى التي تصور معاناة الشعب العراقي في ظل نظام سياسي قمعي، تتناول هذه اللوحة الاضطهاد للشيوعيين في العراق عندما وصل حزب البعث إلى السلطة. فلقد صور صبري سكرتير الحزب الشيوعي العراقي حسين الرضي وهو يرتدي زيا أبيض قبل لحظات من إعدامه. وبدلاً من تصوير ذلك على أنه لوحة تاريخية، فإن صبري صور هذا الحدث بشكل رمزي، حيث لم يكن هناك أحد في لحظة إستشهاد الرضي.

إن الإطار الذي استخدمته مؤرخة الفن والقيم الفنية سهيلة تاكيش، من مؤسسة بارجيل للفنون، لفهم هذه اللوحة مفيد في تأسيس انتقال صبري إلى واقعية الكم.

تجادل تاكيش بأن صبري استمد مفهوم اللوحة وأسلوبها وتنظيمها التركيبي من مجموعة متنوعة من المصادر العابرة للثقافات، والتاريخية التي تستجيب لخط استفساره السياسي. على سبيل المثال، يستعير صبري عناصر تركيبية من لوحة غويا الشهير “الثالث من مايو 1808”. كذلك من خلال ربطه بالتمثيل المعروف للمتمردين الإسبان الذين أعدمهم الجيش الفرنسي. من ناحية أخرى، تم رسم وضع الشكل مقطوع الرأس في الأسفل مستفيدا من الختم الأسطواني السومري القديم. يربط هذا العنصر بجذور العراق التاريخية ويشير إلى مرجعية سياسية – الرقم الموجود في الختم يكاد يُداس من قبل الملك السومري.

لقد ساعدت العلاقة بين عالمية مصادر صبري وخصوصية الصراعات السياسية التي تناولها في فهم كيفية انتقال الفنان إلى ممارسة واقعية الكم الخاصة به.

في رأي صبري، حتى نهاية القرن التاسع عشر، حاول الفنانون تقليد التعبير عن الأشياء في الطبيعة. ومن هنا، قال إنه في حين أن بعض الفنانين جعلوا أساس عملهم يعتمد على التكهنات الذاتية، فإن عمله يستفيد من علم جديد هو معرفة الهياكل الذرية لمواصلة السعي وراء تصوير الواقع بموضوعية. أجري صبري تحقيقًا فنيًا في التجارب الإدراكية غير المباشرة للحقائق دون الذرية، التي “يكون وجودها وعواملها المكونة مستقلة عن وعي الإنسان وبعيدة جدًا عن إحساسه المباشر بالخبرة” كما يذكر.

ويذكر الفنان ساطع هاشم، الذي لم يلتق بصبري الى بعد عام 2005، ” بأن واقعية الكم … هي أسلوب التفكير العلمي بالفن (المادية الحديثة) ولا تقدم نتائج جاهزة، بل تفتح الطريق امام الذهن لاستبدال الخرافة بالعلم”. انها بهذا المعنى كانت مدرسة جديدة بالرسم بكل المعنى الحرفي للكلمة.

كانت واقعية الكم اسلوب محصورة بصبري تحديدا ولم يتجاوزه الى الاخرين لثلاثة عقود من الزمن تقريبا لحين ظهور مدراس لعالم الكم الجمالي؛ غطت الجوانب المعرفية الجديدة التي حققها المجتمع العلمي في عالم الكم، وكانت امتداد لمدارس فنية قائمة.

حدود الخيال

بعد ما يقارب من خمسة عقود، بدأت المدارس الأخرى في عالم الكم الجمالي بالظهور؛ منها على سبيل المثال مدرسة دينيس كونستانتين باكس الألماني الجنسية الذي ذكر في مقال نشر على موقعه “بإن التقدم التكنولوجي السريع وتطورات فيزياء الكم توسع حدود واقعنا وتطلب من خيالنا دفع الحدود. أعتقد أن الجنس البشري على وشك تحقيق شيء عميق جدًا حول الواقع وتجميعه، والذي سيقلب مفهومنا عن أنفسنا، وعن الآخر، والكيانات القائمة رأسًا على عقب. أثارت نتائج ميكانيكا الكم حول طبيعة الفضاء، أن كل مادة في الكون ليست سوى اهتزاز في مجال شامل، وهذه أدت الى إثارة تساؤل جديد حول تعريف الأثر الفني التجريدي”.

ويضيف بأنه وجد اقتباسًا استوعب رغبته الاستكشافية وعلاقتها بالفن التجريدي بطريقة فريدة. كان الاقتباس من سلفادور دالي؛ حيث يذكر دالي: “أتوقع ما سيكون عليه النمط الجديد للرسم، هو ما أسميه بـ واقعية الكم. هذا يعني أنه سيأخذ بعين الاعتبار ما يسميه الفيزيائيون بكونتم-الطاقة، وهي فرصة لعلماء الرياضيات، ولنا نحن الفنانين لنرسم ما لا يمكن تقديره أو لجماله. ستكون الصورة بعد الغد هي التعبير الأكثر دقة عن الواقع، وسيشعر المرء بأن هذا الواقع محاط بحياة غير عادية، ما يتوافق مع ما يسمى بانقطاع المادة”.

ويضيف باكس بأن “مصطلح ‘واقعية الكم’ الذي حدده سلفادور دالي في عام 1949 حول الفن التجريدي؛ تنبأ بفن المستقبل كشيء سيكون تكرارًا دقيقًا للواقع. بدلاً من مجرد تكرار سطحي لكائن ما، والذي سينتهي به الأمر في شكل ثنائي الأبعاد فقط (مخطط وتظليل – “وهم” بأنه ثلاثي الأبعاد)، تم تصور واقعية الكم كشكل من أشكال الفن الذي سيكون قادرًا على إظهار التحول المستمر للمادة (الكائن)”.

ربما من الجدير بالإشارة هنا بأن صبري لم يتعرف على طرح دالي حول “واقعية الكم” في الفن التجريدي الا بعد عام 2009 بحسب ما ذكره الفنان ساطع هاشم أثناء مناقشة الموضوع بينهما.

يضيف باكس أيضا ” تريد واقعية الكم أن تجعل البنية الداخلية للكائن مرئية، ومبدأ شكلها الأساسي، الذي سيؤثر على الطريقة التي سينمو بها الكائن، وما إلى ذلك، وربما الأهم من ذلك ارتباطه بمحيطه”.

search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close